فارسی
English
العربیه
اِلأِثنين ١٥ رمضان ١٤٤٠
الرمز: 811504
الاخبار »  إقتصاد

 

ملكية المال
بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً* ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً) (النساء، 29 -30).
 
 السيد موسى الصدر
تاريخ الانتشار: ١/١٠/١٤٣٦
شبكة الإجتهاد: الملاحظ في هذه الآية أن القرآن الكريم بصدد تأسيس مبدأ في الإقتصاد عام وشامل، عندما ينهى عن أكل الأموال بغير التجارة الناتجة عن التراضي. ومبدأ التجارة المطلقة الخاضعة للتراضي من الطرفين لا رضى من طرف واحد. مبدأ عام لا يخضع إلا للقيود الواردة في القرآن الكريم، وفي أماكن أخرى من جهل أو ظلم أو غش أو غير ذلك من الأمور. ما عدا هذه القيود، فإنه مبدأ عام يسمى في الحقوق بأصالة حاكمية الإرادة. فالإنسان حر في أن يتعامل على ضوء المصالح، من خلال أي شكل يختاره أو أي حد يختاره، شرط أن لا يكون هناك استغلال، أو استثمار، أو إكراه، أو ضغط من طرف على طرف آخر.

هذا المبدأ واضح في هذه الآية الكريمة. ولكن في هذه الآية ملاحظتان اجتماعيتان كبريان: الأولى، التعبير الجميل: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل). فقد يسند القرآن الكريم الأموال الموجودة بين أيدي الناس إلى الناس، فكأن مال كل فرد هو للجميع. رغم أن القرآن الكريم يؤكد على الملكية الشخصية، ولكن مع ذلك، كون المال بيد الإنسان في منطق القرآن أمانة، ورغم عدم جواز تصرف شخص آخر في هذا المال، فهو مال للجميع.

فبهذه السورة يحاول القرآن الكريم أن يؤكد أن هذا المال رغم ملكيته لفرد، فهو كالمال الثابت للجماعة. فإذا احْتُرِم احْتُرِم مال الجماعة، وإذا لم يُحْترم وأُكِلَ بالباطل فقد خسرت الجماعة هذا المال.

وهذا الأسلوب القرآني وارد في أماكن مختلفة من القرآن الكريم، بالنسبة للأموال والأولاد، وبالنسبة إلى المصالح الاجتماعية وغير ذلك... عندما يجعل أموال الناس، وكفاءة الناس، وخصائص الناس، وحاجات الناس للجماعة، فلا يفرِّق القرآن الكريم بين الفرد والجماعة.

والمبدأ الأبرز من هذا المبدأ، ذيل الآية عندما يقول بعد أن يتمم المبدأ العام: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم). يضيف القرآن الكريم هذه الجملة: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً، من الظاهر أن (لا تقتلوا أنفسكم) يعني: لا تنتحروا، أو إذا قلنا أنفسكم مثل مبدأ أموالكم، هي نفس كل إنسان. فلا تقتلوا أنفسكم، يعني لا تقتلوا بعضكم بعضاً: (إن الله كان بكم رحيماً). هذا المعنى الظاهر، ولكن وجود هذه الفقرة مباشرة وضمن آية واحدة بعد كلمة: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، تلقي هذه الكلمة أضواء جديدة على مفهوم المبدأ الأول. ولعل الواضح من هذه المقارنة، أن القرآن الكريم يريد أن يقول أنكم أيها المؤمنون إذا أكلتم أموالكم بينكم بالباطل، وما جعلتم مبادلتكم بالتراضي فسوف تتعرضون للمقاتلة الداخلية.

الأخطار التي تتعرض المجتمعات لها من جراء عدم احترام أموال الناس، وأكل الأموال بالباطل، والرغبة في استثمار القوي للضعيف، وفي اغتصاب القوي للضعيف، يعرّض هذا الوضع المجتمع للخطر أو للانتحار الداخلي، وللمقاتلة بين بعض أبناء المجتمع مع بعض. وهذا الأسلوب القرآني وارد في آيات الصدقات، مثلاً عندما يؤكد القرآن الكريم ويقول في الآية الكريمة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) [البقرة، 195]. هذه المقارنة بين الجملتين تؤكد أن الإنفاق ينجي الإنسان من الهلاك وعدم الإنفاق يعرّض المجتمع للهلاك. وهذا الشيء الذي نشاهده في المجتمعات التي ليس فيها العدالة، تتعرض هذه المجتمعات للإنقسامات وللثورات وللإنفجارات الداخلية، وتتعرض بالتالي للتهلكة كما يسميها القرآن الكريم.

هنا أيضاً، عندما يكون المجتمع متنكراً للنظام الصحيح الصادر عن التراضي، والقائم على العدل بين أبنائه في مبادلة الأموال، يتعرض هذا المجتمع بدون شك للمقاتلة الداخلية، أو على حد تعبير القرآن الكريم، قتل النفس الذي يحصل نتيجة لهذه الأوضاع والمخالفات.

ومن الطبيعي أن يكون في نهاية الآية: (إن الله كان بكم رحيماً). وهنا يوضح في هذه النقطة ما ورد في الآية الأخرى، (ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً)، من يفعل ذلك يعني يقتل نفسه، أو يعني أكل أمواله بينهم بالباطل، (ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً) في الدنيا، ونصليه ناراً في الآخرة كنتيجة طبيعية للانحراف الحاصل من الأعمال، (وكان ذلك على الله يسيراً).
 
المصدر: تنا
الكلمات الرئيسية: الإمام السيد موسى الصدر , ملكية المال



رأي
الاسم
البريد الإلكتروني
* رأي
 

تحلیل آمار سایت و وبلاگ