فارسی
English
العربیه
اِثَّلاثا ٢٨ رجب ١٤٣٨
الرمز: 812516
الاخبار »  الفقه ومباني الإجتهاد

 
هیثم مزاحم یکتب:
الجدل حول تقليد المجتهد الأعلم لدى الشيعة الإثني عشرية
یعتقد البعض أن مسألة تقليد الأعلم قد طرحت في زمن الشيخ جعفر الكبير، المشهور بـ”كاشف الغطاء”(1156 – 1228ه)، صاحب كتاب “كشف الغطاء عن خفيات الشريعة الغرّاء”، بينما يذهب آخرون إلى القول إنها طرحت في زمن شيخ الفقهاء مرتضى الأنصاري (1214 – 1281ه/1864م)، رائد المرحلة الخامسة من تطوّر الفقه الشيعي. فعندما استقر الشيخ الأنصاري كمرجع تقليد، خلفاً للشيخ النجفي الأصفهاني (1266هـ / 1849م)، رأى أن المعتبر هو الأعلم في الأصولّيْن.
تاريخ الانتشار: ٧/١/١٤٣٧
موقع الإجتهاد: بعد خسارة الاتجاه الأخباري على أيدي الأصوليين بزعامة الشيخ وحيد البهبهاني (1706 ــ 1791م) في كربلاء، والذي كان إيذاناً ببدء التغيير لمصلحة اتجاه الأصوليين، حصل البهبهاني على لقبي مؤسس ومجدّد للفقه الإثني عشري.
وقد تركز جدل البهبهاني مع خصمه الشيخ يوسف البحراني (ت 1758م) على ضرورة الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى للإمام المهدي، واستحالة استفتاء الإمام الغائب في قضايا الدين والفقه. وهكذا اتجه البهبهاني إلى القول بـ”العلم الإجمالي” للمجتهد بعد غيبة الإمام، وإمكان تقليده بشكل لم يسبق له مثيل لدى الإثني عشرية.
وقال البهبهاني إنّ ثمّة رأياً سائداً يقول إنّ باب معرفة الأحكام أقفل بعد غيبة الإمام، لكن مع ذلك لا بدّ من استمرار التأمل ولا يستطيع أحد إغلاق باب الاجتهاد على الرغم من عدم تحقق العلم اليقيني. ثم إن هناك بديهيات لا يمكن إنكارها وإن لم تصدر عن الأئمة المعصومين. فلا بدّ في النهاية من اعتبار الاجتهاد المستند إلى الدليل مفيداً للعلم والبرهان وإلا صار الدين مستحيلاً، ولكي لا تصبح الأمور فوضى يقتصر الأمر على المجتهدين.
وهكذا قاد البهبهاني القول ببلوغ المجتهد درجة العلم إلى القول بأنه بمثابة وكيل للإمام أو نائب عنه. ثم جاء الشيخ أحمد النراقي (1245هـ ــ 1830م) فقال بذلك صراحة، مشدداً على أنّ المجتهدين الذين يبلغون هذه الرتبة قلة تتوافر لها الأعملية. وأوضح أن الفقيه الذي يستحق لقب نائب الإمام هو رأس المجتهدين وأعلمهم، وهو وحده الذي يستحق التقليد من جانب المكّلفين. وكان هذا التطوّر في القرن التاسع عشر، بحسب أحد الباحثين.

ويبدو أن ثمة تضارباً في الآراء بشأن بداية القول بوجوب تقليد الأعلم. فقد ذكر السيد مرتضى الجزائري أنّ مسألة تقليد الأعلم، أي اتّباع عامة الناس للمجتهد الأعلم من بين المجتهدين الآخرين، هي مسألة حديثة نسبياً في التاريخ الفقهي الشيعي تعود فقط إلى ثلاثة أو أربعة قرون إذ لم تكن مطروحة قبل ذلك. ففي العصر القاجاري استخدم العلماء كل التطوّرات التي تقول بتقليد المجتهد الأعلم، لتأسيس مرجعية التقليد. وقد ظهر مصطلح الأعلم والأعلمية للمرة الأولى لدى حسن العاملي في كتابه “معالم الأصول”. لكن الأعلم عنده هو ذلك المتقدم في الحديث وأقوال الأئمة.
ويعتقد البعض أن مسألة تقليد الأعلم قد طرحت في زمن الشيخ جعفر الكبير، المشهور بـ”كاشف الغطاء”(1156 – 1228ه)، صاحب كتاب “كشف الغطاء عن خفيات الشريعة الغرّاء”، بينما يذهب آخرون إلى القول إنها طرحت في زمن شيخ الفقهاء مرتضى الأنصاري (1214 – 1281ه/1864م)، رائد المرحلة الخامسة من تطوّر الفقه الشيعي. فعندما استقر الشيخ الأنصاري كمرجع تقليد، خلفاً للشيخ النجفي الأصفهاني (1266هـ / 1849م)، رأى أن المعتبر هو الأعلم في الأصولّيْن.

وأوضح آية الله الطبطبائي اليزدي (1338هـ/ 1920م) أواخر القرن التاسع عشر شرط الأعلمية، كما قال بضرورة تقليد المجتهد الأعلم. أما المجتهد الأعلم فهو القادر ــ استناداً إلى معرفته الوثيقة بأصول الفقه ــ على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الفرعية. وأكد اليزدي ضرورة التقليد من جانب المكلّف للمجتهد الأعلم، واستحالة معرفة أحكام الدين من دون التقليد. وكان هذا التأكيد على ضروة التقليد ظاهرة جديدة في المذهب الإثني عشري في العصر القاجاري، إذ كان مجتهدو العصر المغولي، مثل إبن المطهر والشهيد الثاني، قد اكتفوا بالحديث عن ضرورة المجتهد، وخاصة الشيخ حسن العاملي (1111هـ ــ 1601م).

لكن الشيخ محمد إبراهيم جناتي يزعم أن بحوثاً قام بها تثبت أن مسألة لزوم تقليد الأعلم قد طرحت بعد زمن التشريع أي عصر رسول الله (ص) والأئمة (ع)، وعلى امتداد مراحل الفقه.

ولعلّ أبرز المناقشات حول تطوير المرجعية ومأسستها تعود إلى خريف العام 1960م وشتاء العام 1961م، حيث انطلقت نقاشات بين الفقهاء والعلماء في إيران حول اختيار مرجع التقليد ووظائفه، وذلك إثر وفاة المرجع الكبير آية الله البروجردي في آذار/ مارس 1960م، وطرح فكرة خلافته والخشية من تدخل حكومة شاه إيران في اختيار مراجع التقليد وتحديد وظائفه. وكان من أبرز الذين طرحوا هذه الفكرة وكتبوا أبحاثاً حول تطوير مرجعية التقليد وآلية اختيارها ووظائفها وتحويلها إلى مؤسسة، هم آية الله السيد محمود الطالقاني (ت 1979م)، والسيد مرتضى الجزائري، والشيخ مرتضى مطهري (ت1979م)، والشيخ محمد مهدي بهشتي (ت 1980م)، ومهدي بازركان (ت 1989؟).

وقد صدرت هذه الآراء في كتاب يحمل عنوان “دراسة حول المرجعية والمؤسسة الدينيّة”، وقد لاقى الكتاب نجاحاً هائلاً، واعتبر أهم كتاب يصدر في إيران منذ صدور كتاب النائيني المعنوّن “تنبيه الأمة وتنزيه الملّة”.
وقد ناقش السيد مرتضى الجزائري آلية نشوء مرجعية التقليد لدى الشيعة الإثني عشرية،س وأشار إلى أنّ مسألة تقليد الأعلم، أي اتّباع عامة الناس للمجتهد الأعلم من بين المجتهدين الآخرين، هي مسألة حديثة نسبياً في التاريخ الفقهي الشيعي تعود فقط إلى ثلاثة أو أربعة قرون إذ لم تكن مطروحة قبل ذلك.

وخلص الجزائري إلى أنها مهمة مستحيلة تحديد من هو الأعلم بين الفقهاء، إذ قد يتساوى فقيه مع آخر أو أنه لا يمكن لفقيه أن يكون الأعلم في جميع أبواب الفقه. وبناءً عليه اقترح الجزائري قيام مجلس (شورى الفقهاء)، يتألف من كبار الفقهاء المعاصرين بحيث يبحث المجلس جميع المسائل والمشكلات، ويتم اعتماد رأي الأكثرية بعد المناقشة الكاملة للمسألة.

وذكّر الجزائري بأن الاجتهاد (لدى الإثني عشرية) هو تطوّر حديث نسبياً، إذ لم يتم اعتماد الاجتهاد في زمن الأئمة المعصومين وحتى بعد قرن أو قرنين لاحقاً، إذ استند الفقه الشيعي آنذاك على العمل بالروايات المنقولة عن الرسول(ص) وآل البيت(ع). واعتبر الجزائري أنّ قيام مجلس شورى الفقهاء يعتبر خطوة أولى في تحوّل المرجعية إلى مؤسسة، ويمنح المرجعية الدينية قوة واستقلالية أمام الدولة. كما يمنح الفقهاء الأفراد حرية أوسع ويقوّي موقعهم ويشجّعهم على اتّخاذ مواقف أكثر إيجابية وشوروية.

كما ناقش آية الله السيد محمود الطالقاني مسألة تمركز مرجعية التقليد، ورأى أنه لا يجب حصرها في شخص واحد، وذلك انسجاماً مع التطوّرات السياسية والاجتماعية والعلمية الحديثة في العالم، بحيث لا يمكن لأحد من الفقهاء أن يكون الأعلم في جميع أبواب الفقه. وقد برّر رأيه بأنّ الحاجة إلى اتّخاذ قرارات في مشكلات تتعلّق بأنواع مختلفة من المساواة والمشكلات في الحياة العصرية تدفع إلى عدم تركّز المرجعية الدينية، وإلى حاجة مرجعية التقليد إلى التوسّع في العلوم والتعمّق والتخصص فيها.

وأشار إلى حاجة مرجع التقليد إلى مستشارين ذوي علم ومعرفة غير عاديين. لكن الطالقاني نبّه إلى مساوئ تعدد مراجع التقليد وعدم مركزية المرجعية الدينية وعدم تعاون الفقهاء في ما بينهم، فاقترح إنشاء لجنة تشكّل من علماء وفقهاء المحافظات وتلتقي لمناقشة المشكلات المطروحة ومن ثم إعلان النتائج التي تتوصّل إليها.

لذلك اقترح الجزائري أيضاً قيام مجلس شورى فقهاء، برئاسة أحد كبار الفقهاء في إحدى الحوزات العلمية الرئيسة، وأن يبحث هذا المجلس كل شهر أو كل بضعة أشهر المشكلات الراهنة، وأن يدعو كذلك فقهاء المحافظات للتعبير عن آرائهم، وأن يناقش أعضاء هذا المجلس هذه المسائل الدينية والفقهية مع تلاميذهم، على أن يتم إعلان القرارات التي يتم التوصّل إليها. لكن الطالقاني لم يسهب في تحديد سلطات كل من هاتين الهيئتين أي، مجلس شورى الفقهاء، ولجنة العلماء، والعلاقة بينهما.

بدوره، بحث آية الله مرتضى مطهّري مسألة مرجعية التقليد،، وذلك في الإطار العام للاجتهاد والتقليد، وقارن رؤية الشيعة للاجتهاد والدولة برؤية أهل السنّة لهما، إذ كان الشيعة الإثنا عشرية رفضوا الاجتهاد (القياسي) الذي استخدمه السنّة، ولكنّهم عادوا وقبلوا به لأول مرة في القرن الخامس هجري، وذلك على اعتبار أنه استنباط للحكم الشرعي استناداً لأدلة الشريعة المعتبرة.

وأشار مطهّري إلى التطور التدريجي لعلم أصول الفقه لدى الإثني عشرية وتطوّر مفهوم الاجتهاد، الذي يتطلّب معرفة لعدد من العلوم الأخرى غير الفقه وأصوله، بحيث يطلق على العالم بهذه العلوم تسمية مجتهد. وذكر أنّ أول من استخدم تعبير اجتهاد ومجتهد بين الشيعة بهذا المعنى كان على الأرجح الحلّي.

ورأى مطهّري أنّ على الفقيه المجتهد الحقيقي ليس فقط التمتّع بالقدرة على استنباط الحكم الشرعي والمعرفة بعلوم الفقه والحديث والتفسير واللغة، وما سوى ذلك من العلوم الدينية التقليدية، بل عليه أن يكون على صلة بالشؤون العامة المعاصرة في مواجهة المشكلات الجديدة والظروف المتغيّرة في العالم.
وعليه، فإن مطهري، الذي يعتقد أنّ الإنسان له قدرات محدودة، قد ذهب إلى ما ذهب إليه الفقيه الراحل آية الله عبد الكريم يزدي من الدعوة إلى التخصص في الدراسات الفقهية، بحيث يتخصّص كل مجتهد في أحد أبواب الفقه ويتم تقليده في هذا الباب. كما دعا إلى التعاون بين الفقهاء والعلماء الذي كانت تفتقده الحوزات الدينية الشيعية.

كما بحث مطهري في دراسة أخرى مسألة المؤسسة الدينية الشيعية ونقاط ضعفها، فدعا إلى جعل المرجعية الدينية مؤسسة، بحيث يتم تنظيم مدارسها الدينية وإدارة أحوالها الشرعية وأوقافها، وصرف هذه الأموال بطريقة مؤسساتية حديثة، إذ يتم الصرف على الطلاب والعلماء والمحتاجين من خلال هذه الأموال بطريقة لا يمكن معها سوء استغلال هذه الأموال أو سوء صرفها.

كما طالب مطهري بالاستقلاليّة الماليّة للمرجعيّة الشيعيّة، إذ رأى في تسلّط الجماهير على المرجعيّة مشكلة كبيرة، وأشار إلى التأثير السلبي لأموال تجار البازار وكبار الملاك وعامّة الناس على المجتهدين، حيث أن اعتماد المراجع على هؤلاء جميعاً يجعل اجتهاداتهم تحت رحمة ميولهم المتخوّفة من التجديد والتغيير.

بدوره، دعا السيد محمد بهشتي، الذي اغتيل في بدايات انتصار الثورة الإسلامية عام 1980، إلى الحاجة لقيام مؤسسة دينية تقوم بالاهتمام بالتعليم الديني، وتخريج العلماء والمجتهدين، وتقوم بالصرف عليهم ودفع رواتبهم من بيت المال، وكذلك بالإجابة عن المسائل الدينية وحل المشكلات الفقهية للناس.

أما أبرز الطروحات الجدية والمنهجية لتطوير المرجعية الدينية ومأسستها، فهما أطروحة كل من آية الله السيد محمد باقر الصدر، التي أطلق عليها تسمية “المرجعية الصالحة أو الرشيدة”، وأطروحة الراحل آية الله السيد محمد حسين فضل الله(ت 2010م) واللتان سنعرضهما بشكل مفصل في الصفحات التالية.
المصدر:  شجون عربية
الكلمات الرئيسية: التقليد , مزاحم، هيثم , تقليد المجتهد الأعلم لدى الشيعة الإثني عشرية , الجدل حول تقليد المجتهد الأعلم لدى الشيعة الإثني عشرية



رأي
الاسم
البريد الإلكتروني
* رأي
 

تحلیل آمار سایت و وبلاگ